"الأنموذج" .. بين النظرية والتطبيق - صحيفة سبق الخرج
الخميس 9 ربيع الأول 1438 / 8 ديسمبر 2016




08-06-1434 05:49

الجمعة, ۰٦ شعبان ۱٤۳٤

لا مرية أن أفضل أنموذج عرفته البشرية هو ذلك الأنموذج الذي صنعه نبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم ومعه صحبه الكرام, إذ امتدحهم القرآن العظيم في أكثر من موضع: "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم..", ثم جعل النبي الكريم قدوة للمسلمين "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..", ولقد أشار النبي - عليه الصلاة والسلام - إلى هذا البناء المتكامل وبيّن أفضليته وخيريته على بقية القرون "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم..".

والمعنى المستخلص من كافة الآثار الصحيحة الواردة في هذا الشأن, توحي بأننا لابد وأن نتبع لا نبتدع, وأن نقتفي أثر هذا الأنموذج فلا نحيد عنه, بل حملت الآثار إدانة واضحة وشديدة لمن حاول تجازوه: الثلاثة نفر الذين أرادوا صناعة نموذج مغاير, فكانت الإجابة النبوية "فمن رغب عن سنتي فليس مني".

ونحن لو تأملنا هذا الأنموذج "المثالي" لوجدنا أن أكثر ما يميزه "واقعيته" فهو منتهي الأمل في المجتمعات البشرية, منذ خلق آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة, وهو سر بقاء وحيوية هذا الدين, إذ يرتقي بالنفس البشرية إلى الأنموذج والمثال الذي لا يخرجها عن بشريتها التي هي بطبيعتها تخطئ وتصيب وتطيع وتعصي وتفتر وتنشط!

تعجب حين تجد القرآن يحكي عن تلك الأنفس البشرية : " منكم من يريد الدنيا..", " أو لما أصابتكم مصيبة..", ويحمل التاريخ قصصا من الواقع الحي لهذا المجتمع, الذي فيه من أراد أن يزني, ومن يسرق, ومن يغل, ومن يشرب الخمر..ورغم ذلك بقي نموذجا مثاليا وواقعيا في ذات الوقت.

هذه الصورة المركبة للمجتمع النبوي الأول الذي يريد المشروع الإسلامي أن يحاكيه ويقترب منه, لا يمكن أن تنفصم, فهو مثالي, وهو واقعي, في ذات الوقت, ومحاولة اختراع أنموذج مغاير في الذهن, وتصديره للناس, هي في الحقيقة محاولة فاشلة, لأنه لن يكون مجتمعا أفضل من ذلك المجتمع.

قد نصدر ونرسم في مخيلة المخاطبين أنموذجا مثاليا فقط, ونورد لها شواهد من عصور ما بعد الرسالة, ونظن أننا بذلك نصنع معروفا, ولكننا في الحقيقة نتجاوز حقيقة "الواقعية", ونصرف المستمع والمخاطب عن محاولة الاقتراب والاقتداء, لأن المثالي فقط لا يمكن أن تتعلق به الأفئدة إلا من باب الإعجاب والانبهار مع صعوبة الاقتداء.

يحتاج رواد المشروع الإسلامي أن يصححوا في البداية رؤيتهم للأنموذج ويقرؤوه بواقعيته ومثاليته, ثم بعد ذلك يكون حديثهم عن ذلك المجتمع, كما هو .. بكافة تفاصيله.
تعليقات تعليقات : 0 | إهداء إهداء : 0 | زيارات زيارات : 4831 | أضيف في : 08-06-1434 05:49

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


أبو لجين إبراهيم
أبو لجين إبراهيم

تقييم
2.00/10 (2 صوت)


جميع الحقوق محفوظه لـ صحيفة سبق الخرج