أين الجماجم يا كافور ؟ - صحيفة سبق الخرج
الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016




07-29-1434 12:59

سبق الخرج - الكاتب القدير : سلمان محمد

أين الجماجم يا كافور؟


ومع تقديري التام لعمنا كافور المظلوم على لسان شاعر القرون أبي الطيب المتنبي، إلا أن وصمة المتنبي بقيت حكاية تاريخية وحكمة أحمدية تتناقلها الأجيال وتتناقل معها سطوة المتنبي في القلوب ورهبته في العقول، ولا يمكن لنا بحال أن نستدرك على عمنا الضخم وقد مضى إلى سبيله وهدأت ثورته الصاخبة ونحن بمأمن من لسانه وبيانه فتلك نقيصة نرفع أنفسنا عنها.

ولكل زمان كافور ومحاجم إلا زمننا هذا ففي كل مجلس ألف كافور ما بين عدو يفتري، وجاهل يتحاذق، وأحمق يتهانف، وحاسد يغتاب، قد تركوا الحياة الجادة وخلفوا أهلها في البحر الخضم يصارعون الأهوال ليسلم لهم دينهم ورضي الكافوريون بسيف البحر يصخبون عنده.

قد اندلقت بطونهم وتقوست ظهورهم وتهدلت أشداقهم، وقضوا نهارهم في السخرية والاستهزاء بأهل المركب الصعب حتى إذا بلغت الجرأة برجل من عوام المسلمين فبدههم بالنصيحة كشروا أنيابهم وغلظوا أصواتهم وصاحوا صيحة شيطان واحد؛ إن مجلسًا واحدًا نقضيه في صناعة الإصلاح خير من عمر أمة من مثل أولئك الهالكين، وما وجودنا في هذه الحياة إلا إصلاح لأغلاط الحياة في أفكار الناس!

يتعجب الناس أن الأمة لا تتقدم خطوة إلى الأمام منذ مئات السنين، وكيف لها أن تتقدم وهي الأمة عينها التي قال في بنيها المتنبي:

أَغايَةُ الدينِ أَن تُحفوا شَوارِبَكُم *** يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ

ولعل المتنبي لم يوفق في وصفهم بإحفاء الشوارب، ووجه الغلط أتاه من كونه رجلاً كثير الأسفار لم يخالط أمثال هؤلاء فيعرف أن شواربهم نتفت من كثرة ما يمسكون بها عند اتقاد الغضب وتلهب الغيظ لنعمة يرونها على عبد من عبيد الله الموفقين، وما بهم السنة ولا إصابتها!

كيف لهذه الأمة المنكوبة بأبنائها أن تتقدم خطوة إلى الأمام وهم أفرادها الوقيعة في بعضهم، فلا يبرز إنسان في مجال إلا وجد ألف كالح يجتمعون في دار لا يجتمع فيها من يرجو بابًا من السماء يفتح، وساعة من الإيمان تشرح، فيقتسمون عرضه فيما بينهم كما يقتسمون عقارًا ثمينًا سيدر عليهم الربح الذي يغلق باب الفقر إلى الأبد؟! ويجعلون كلامه ومعاني كلامه غرضًا لبصيرتهم، ومن حصل شيئًا من تلك المغانم أخذ بها وأعطى، وكان له من آذان خلق الله البائسين المخدوعين وقف على لسانه لا يجوز التعرض له ولا نقله إلا أن يموت المتكلم فيؤول إلى آخر أشد منه إيذاء!، وحينئذ يحكم لعلمه بالعمق، وللسانه بالفصاحة، ولعقيدته بالسلامة، ولبذاءته بالإيمان، ولغيبته بالتقوى، ولتسلطه بالرحمة.. وما شئت من صفات غابت عن المصلحين في مسارب التاريخ ومجاهله فحشدت لآية الله الكافوري!

وهؤلاء أناس يكون الواحد منهم قد رزق لسانًا كحية البحر تلقف ضفادع عقله وعقول السذج ممن اغتر بالصفة التي ذكرها المتنبي فجاء يطرق أبواب الجنة وقد ثقلت أياديه بهدايا الشياطين!، وليس عندهم من العلم إلا مقطعات يشوشون بها على العامة ويخلبون بها أسماع المتوسطين، مع شجاعة في غير بابها قد تخدع بعض المنتسبين إلى العلم، وإنك لو منعتهم من غيبة الناس وتنقص أهل الفضل لبطل ثلاثة أرباع ما يقولون وبقي الربع الذي يقرؤونه في صلاتهم!، تجد أحدهم يبدأ في الدرس المقرر فيبسمل ويحمدل ويصلي على النبي المصطفى ويقول كلمة واحدة من مفردات درسه.. ثم ينطلق فجأة كمجنون هارب من أيدي ممرضيه فيقع في أصحاب لسانه المساكين ولا يترك لهم فضيلة إلا جر عليها ثوب رذيلته!، ولست أشبههم إلا بالنكتة التي تحكي أن رجلا عرف كلمة (فجأة) لأول مرة في حياته، فأراد أن يستخدمها في كلامه ويوشي بها قاموسه، فذهب إلى (البقالة) فقال لصاحبها: أعطني عصيرًا وفجأة خبزًا!، هكذا هم بينما تجدهم في واد وإذا بهم في غمضة عين ينتقلون إلى واد آخر من أودية جنهم! دون مقدمات توضح أو ممهدات تستدعي إلا ما يجدونه في صدورهم من لأواء حمى الحسد.

ألا إنه لن يصلح الأمة إلا الالتفاف حول كتابها العظيم والنهل من معينه الخالد من غير أن تتوسط بفهم الخلف القائم على سيء الأخلاق وفاسد التصورات وبذيء الأفكار وقدسية الأشخاص، يكفينا أن نقرأ كتاب ربنا في عزلة شعورية عن الواقع المأساوي لنعيد به صياغة أنفسنا وهندسة عقولنا وطهارة ألسنتنا ثم لنرتب الحياة من حولنا ونعيد صياغتها كما صاغها الجيل الأول، وأن تكون حياة رسولنا الأكرم مثالاً يحتذى عندما تعصف بنا دوامة الحياة، وتلفنا خزعبلات الهالكين، وأن نقتبس أقوال السلف مع فهم الواقع العملي الذي مشوا عليه في حياتهم.. !

إذا حرصنا على ذلك وتواصينا به وصبرنا عليه فإن عاقبتنا ستكون طيبة نلمس أثرها في واقعنا ونجد نفعها في حياتنا، وندرك سرها في نفوسنا، ونعلم قوتها في منهجنا.
تعليقات تعليقات : 0 | إهداء إهداء : 0 | زيارات زيارات : 4790 | أضيف في : 07-29-1434 12:59

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


سلمان محمد
سلمان محمد

تقييم
1.01/10 (11 صوت)


جميع الحقوق محفوظه لـ صحيفة سبق الخرج