الهروب من معركة الحياة - صحيفة سبق الخرج
الإثنين 6 ربيع الأول 1438 / 5 ديسمبر 2016




07-19-1434 01:57

يغلب الوهم والظن كثيرًا على النفس فإن وجد أهلاً ومرحبًا وحبالاً
من الود ممدودة أناخ وأصبح من الأهل والأقربين، فينشئ عادات وصفات ماحقة لكل ما هو جميل
وذاهبة بكل مفيد، وجاد إلى وادي الأموات ومن ذلك ما تتوهمه كثير من النفوس الحزينة
من وجوب العزلة ونبذ الناس والعيش في عالم محدود ليس فيه إلا الكتب
وأحاديث النفس بحجة فساد أهل الزمان ، وهذه فكرة شيطانية قديمة
يجددها في كل زمن ويلبسها لبوس أهله الملائم لطبيعة ما يعايشونه فتتمشى مع رغبات النفس وتلذ لكل من فرغ من معاني الحياة .
والإنسان الذي يرى الاعتزال حتمًا لابد منه وقدرًا ماضٍ لا حيدة عنه فإنه في الحقيقة يرى لنفسه فضلاً على الناس وصلاحًا ليس فيهم وعلما ليس عندهم فيلج به النظر وتتقاذفه الفكرة إلى الحد الذي يرتد منه إلى الجهة الأخرى ، فالغلو في جانب لا يتوافق مع الطبيعة ولا معطيات العلم لا بد أن يقود إلى غلو مضاد في مرحلة من مراحل السير، وهنا تضيع المواهب ويذهب الإيمان ويمرض الفكر، وليس لمن اعتزل الناس وغاب عن دنياهم إلا العودة إلى الناس والرضا بكل ما يأتي منهم والتلبس برذائلهم وعاداتهم وأفكارهم الملوثة دون محاولة للتغيير والإصلاح.
وقد يحقق الإنسان بعزلته شيئاً من الانتصار للنفس خاصة إذا كان مفكرًا، ولكنها عزلة تقيد خواطره وتطفئ شمعة قلبه وتحوله إلى بيت مهجور من أحبابه سكنته الوحشة ولعبت فيه الأوهام .
وما قيمة الفكر إن لم تجد من تبثهم إليه وتسمع وقع تأثيره في نفوسهم ، ولعل ما نراه من عزلة كثير من الكتب التخصصية النافعة عن عالم الناس إنما كان نتاج هذه العزلة الجسدية والفكرية عنهم .
ثم أليست العزلة هروبًا من قدر المعركة والإرغام ؟ أليست هروبًا من الواجب المناط في الأعناق وعكوفًا على ما يرضي النفس ويلهيها وإن كان علمًا وأدبًا ، ألم يخرج سيدنا يونس -عليه السلام- من قومه مغاضبًا ويترك واجب الدعوة والإرشاد ويركب الفلك حتى إذا كانوا في عرض البحر ثار واضطرب فاستهموا على رجل يلقونه في البحر فساهم فكان من المدحضين فألقي في البحر فالتقمه الحوت ولبث في بطنه مدة من الزمن في عزلة عن العالم وعن الناس الذين تركهم وغضب منهم ولم يصبر على تحملهم ، عزلة عرّفته أن الحياة لا يمكن أن تصلح إذا عكف الإنسان فيها على نفسه ورضي بها من دون الناس وأسرف في تعليمها وتثقيفها . وكأن الله أراد أن يعلمه أن العزلة عن الواقع ليست إلا كهذه العزلة في بطن الحوت، أرق وسهاد واضطراب لولا التسبيح والتحميد.
ثم ماذا بعد ذلك ، أين يذهب هذا العلم ؟ وأين يتوجه هذا الفكر ؟
إلى ظلام العزلة وبرودها؟ ، لقد فشل الفلاسفة في حل مشاكل الناس وترقيتهم والأخذ بأيديهم في مدارج النضج والبلوغ العقلي فكانت أفكارهم واضحة ما لم تختلط بحياة الناس، فإذا اختلطت اضطربت أفكارهم وتشوشت وغدت ظلاً من الظلال ينتظر الشمس الناسخة والسبب يعود إلى عزلتهم في أبراجهم العاجية والنظر إلى حقائق الحياة القريبة بمنظار يبعد القريب ولا يقرب البعيد، فكان حكمهم على شيء لم يحيطوا به ولم يعرفوه ولم يذوقوا طعمه ، وأنهم قوم مفكرون وتجد لهم دررًا عظيمة ولكنها مثل فئة الخمسمئة ريال ليست قابلة للصرف في كثير من أمور الحياة التافهة ذات السعر البخيس الذي يحيا به الناس .
ولم يستطع الفلاسفة على كثرة ما كتبوا وألفوا أن يهذبوا غير الكتب التي كتبوها، أما الناس فلن يتغلب على تيارهم ويلين صلب أفكارهم إلا رجل واسع العلم رقيق الشعور سعيد النفس جم الحلم مخالط لهم متعرف على نفوسهم وحقائقها وما تريد من هذه الحياة كما كان نبينا - صلى الله عليه وسلم- .
فيا طالب المعرفة والسعادة في قنن الجبال أو زوايا البيوت إنك لن تجد ما طلبت ولن تصبر على الطريق التي سلكت؛ لأن النفس البشرية مجبولة على الخلطة والائتلاف وطبيعة العلم والمعرفة قائمة على المعاشرة والتصادق بين أجناس البشر وما يمكن أن تحسه في نفسك من شعور، أو تجده في عقلك من علم لا يعد أن يكون أصباغًا لا تؤثر في الحياة أو تزيد من معانيها، وطبيعة الصبغ تعود إلى ( التبهت ) أو الزوال، ولو كان في العزلة خير لأمر بها الشرع، أو رتب عليها ثوابًا أو ندب إليها أو مدح أهلها، ولكنه لم يفعل بل جعلها دواءًا استثنائيًا عند فساد الحياة وتغير الطباع وخوف المرء على دينه ولا يكون ذلك إلا في آخر الزمان ومن أين لنا تحديده ، والقرآن الكريم مليء بضمائر الجمع عند مخاطبة المؤمنين في أمر من أمور حياتهم أو أمر من أمور دينهم وما أجمل قول الشاعر :

أيها العاكف المـــــــسبح سبح
في عـراك الحيـاة في الآفــاق

مــــــــثل ما كبّر الأوائل منـا
ووميـض السيوف في الأعناق

إننا صناع التاريخ ولن يوجد الصناع إلا في المصنع لا في شعاف الجبال ، إن كل من اعتزل الحياة ورضي بصحبة النفس يجب عليه أن يراجع مبادئه، وأن يعود إلى المعترك إن أراد ثواب المجاهدين ، وإن أراد الهداية الكاملة ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )
وأول من يطالب بترك العزلة الوهمية وخوض معركة الحياة هم الدكاترة وأساتذة الجامعات ممن أدخلتهم الدودة الدالية (د) في شرنقتها فكادت أن تقتلهم وتقتل مواهبهم، يجب عليهم أن يخرجوا من عزلتهم، ويشاركوا المجتمع مشاكله، ويقدموا له الحلول المناسبة الملائمة لفكره وتربيته وثقافته، فيتعمق الشعور لديه بمشكلاته ويعلم مدى حاجته إلى علمائه ومفكريه ويزداد هذا الواجب وجوبًا مضاعفًا في مراحل التغيير الاجتماعي أو التصادم الحضاري كما نواجهه اليوم بكل شراسة وعرامة شريطة أن يبتعدوا عن الحلول الفلسفية الباردة المنتزعة من قطب العقل المتجمد، وأن يبتعدوا عن التلقي الساذج لما يدور في الصحافة أو الإذاعة العالمية، وأن يبتعدوا عن الضغط السياسي الداخلي أو ضغط الجماهير التي لا تفقه شيئًا في أمور السياسة المعقدة فإذا ما قدروا على ذلك فإن المجتمع سيكون مجتمعًا واعيًا بالأحداث وعارفًا بكيفية إدارتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة ومؤمنًا بمبادئه وثوابته غير قابل للخضوع أو التراجع، وحتى لا أقع في التعميم الذميم فإن هناك نوعًا من العزلة يضفي على النفس سكينة، ويفتح للعقل باب التأمل، وهذه العزلة تكون في أوقات معينة هي كالربيع في دورة الشهور وهي العزلة الفنية المعنية بقول الأديب (برناردين دي سان بير) : إن العزلة جبل عالٍ تريني قمته الناس صغارًا .
وليس مراده الاحتقار وعدم الاختلاط، بل مراده الترفع عما يقع فيه الناس من رذائل الأفعال والأقوال ومن ثم تحملهم حينما يقع منهم ذلك وهذه خصلة عظيمة وبركة من بركات العزلة الفنية والانفراد مع النفس، على حد قول عبد الوهاب عزام- رحمه الله- :

لست أخلو لغفلة وسكون
وفرار من الورى وارتياح

إنما خلوتي لفكر وذكـــر
فهي زادي وعدتي لكفاحي


وهذه العزلة الفريدة هي نقطة التحول في كثير من أمور الحياة، فكم فكرة ومضت في عقل عبقري في إحدى هذه الخلوات الجميلة فكانت مفتاح خير ومشعل هداية ومرقاة سمو للحضارة
تعليقات تعليقات : 0 | إهداء إهداء : 0 | زيارات زيارات : 4865 | أضيف في : 07-19-1434 01:57

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google


سلمان محمد
سلمان محمد

تقييم
1.07/10 (13 صوت)


جميع الحقوق محفوظه لـ صحيفة سبق الخرج